
أدت الضربات الانتقامية التي شنتها إيران عبر منطقة الخليج إلى أكبر اضطراب في أنشطة الأعمال بالمنطقة منذ جائحة كوفيد-19، إذ تسببت في إغلاق مطارات وتعليق عمليات موانئ وأثارت موجات صدمة في الأسواق المالية.
وجاءت هذه الهجمات رداً على هجوم مشترك شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، واستهدفت كل دولة رئيسية في الخليج، وهي منطقة أمضت عقوداً في ترسيخ سمعتها كأحد أكثر مراكز الأعمال موثوقية في العالم.
وقُتل ثلاثة أشخاص جراء الهجمات في الإمارات العربية المتحدة، فيما دوّت انفجارات قوية لليوم الثالث على التوالي في دبي وأبوظبي يوم الاثنين.
مثّلت الضربات تصعيداً غير مسبوق بالنسبة إلى دبي، التي بُنيت هويتها الحديثة على تحييد نفسها عن صراعات المنطقة.
وقال فيجاي فاليشا، كبير مسؤولي الاستثمار لدى «سنشري فايننشال» لرويترز: «على الصعيد الإقليمي، يبدو التأثير عبر اقتصادات الخليج متبايناً. فارتفاع أسعار النفط يوفر هامشاً مالياً داعماً للمنتجين مثل السعودية وقطر، بما يعزز الإيرادات والسيولة. لكن قطاعات التجارة والخدمات اللوجستية والسياحة، ولا سيما في الإمارات، ستواجه ضغوطاً إذا تصاعدت مخاطر الشحن أو تراجعت المعنويات الإقليمية».
تكبدت أسواق الأسهم الخليجية خسائر حادة مع افتتاح التداولات يوم الأحد، إذ هبط المؤشر القياسي السعودي بأكثر من 4% عند الافتتاح قبل أن يُنهي الجلسة منخفضاً 2.2%. وأغلق مؤشر عُمان على تراجع بنسبة 1.4%، فيما فقدت البورصة المصرية 2.5%، بعدما قلصتا خسائرهما المبكرة. كما انخفض مؤشر قطر بنسبة 2% في التعاملات المبكرة يوم الاثنين.
وأثارت الأزمة الجديدة اضطرابات في الأسواق العالمية، إذ قفز خام برنت إلى ما يزيد قليلاً على 78 دولاراً للبرميل يوم الاثنين، مقارنة مع 72.87 دولاراً عند إغلاق الجمعة. وتراجعت الأسهم الآسيوية على نطاق واسع، حيث انخفض مؤشر نيكاي الياباني 1.6%، وخسر مؤشر هانغ سنغ في هونغ كونغ 1.8%، فيما تراجع المؤشر القياسي في تايوان 0.9%.
واتخذت الإمارات، التي لا تعمل أسواقها المالية يوم الأحد، خطوة نادرة بإغلاق البورصة يومي الاثنين والثلاثاء. كما أُغلقت بورصة الكويت يوم الأحد وعلّقت التداول حتى إشعار آخر.
وقال محمد علي ياسين، الرئيس التنفيذي لشركة «غاف بنفتس»، التابعة لشركة «لونيت» في أبوظبي، قبل إعلان إغلاق السوق: «ستظل الأسواق هشة ومتقلبة ما دامت العمليات العسكرية مستمرة. وعادةً في مثل هذه الأحداث، يكون المستثمرون المؤسسيون الدوليون هم من يبدؤون بعمليات البيع، فيما يحاول المستثمرون المحليون التخفيف من حدة التراجعات عبر اقتناص الأسهم القيادية».
استهدفت الضربات الإيرانية مطارات ومنشآت عسكرية وموانئ وفنادق في مختلف أنحاء الخليج. وتعرض كل من مطار دبي الدولي ومطار زايد الدولي في أبوظبي لأضرار، ما أسفر عن مقتل مدني واحد وإصابة 11 آخرين في الموقعين. كما اندلع حريق في أحد أرصفة ميناء جبل علي في دبي عقب عملية اعتراض جوي.
وتضم الإمارات بعضاً من أكبر الشركات في المنطقة، من بينها شركة إعمار العقارية في دبي، ومجموعة ماجد الفطيم العاملة في قطاع التجزئة. كما أصبحت الدولة مركز جذب لصناديق التحوط العالمية وكبرى البنوك التي تسعى إلى القرب من السيولة الضخمة للصناديق السيادية التي تديرها كل من جهاز أبوظبي للاستثمار ومبادلة.
شبكات الأعمال في رمضان
وجاءت هذه الاضطرابات في توقيت بالغ الحساسية ضمن أجندة الأعمال في الخليج، إذ تزامنت الهجمات مع شهر رمضان المبارك، حين تشكل موائد الإفطار والسحور الجماعية إحدى أهم مناسبات بناء العلاقات وتعزيز شبكات التواصل في مجتمع الأعمال بالمنطقة.
أظهرت رسائل بريد إلكتروني اطلعت عليها رويترز إلغاء أو تأجيل فعاليات استضافتها شركة طيران الإمارات في دبي، وشركة «مصدر» للطاقة في أبوظبي، و«مبادلة»، وشركة التعليم «جيمس»، إلى جانب دائرة التمكين الحكومي.
وبالنسبة لمنطقة تقوم الأعمال فيها على العلاقات الشخصية، فإن خسارة موسم التواصل خلال رمضان تضيف تكلفة غير مرئية لكنها مؤثرة إلى الاضطرابات المتصاعدة بالفعل.
وأصدرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي تحذيرات سفر محدثة إلى منطقة الخليج عقب الضربات، داعية مواطنيها إلى تجنب السفر غير الضروري. كما أُغلقت مطارات رئيسية لعبور المسافرين، من بينها دبي وأبوظبي والدوحة في قطر، أو فُرضت عليها قيود مشددة يوم الأحد، في وقت ظل فيه جزء كبير من المجال الجوي في المنطقة مغلقاً.